تعکس الموسوعات العامة والمتخصصة فی ثقافة أی مجتمع حجم الأبحاث المنجزة ، ومن ثم فهی تُظهر حصیلة المعارف والخبرات المتراکمة فیه. وقد شهدت العقود الأخیرة فی إیران ازدیادًا ملحوظًا فی حرکة تألیف الموسوعات، حیث أبدت المؤسسات البحثیة الحکومیة والخاصة اهتمامًا کبیرًا بهذا المجال . تتمحور إشکالیة هذا المقال حول سؤالین رئیسیین: أولاً، لماذا ینبغی أصلًا أن نؤلِّف الموسوعات ونقرأها؟ وثانیًا، لماذا موسوعة أصفهانیکا تحدیدًا؟ وللإجابة عن هذین السؤالین ینبغی أولًا أن نفهم بإیجاز کیف ومتى ظهرت فکرة تألیف الموسوعات باعتبارها ظاهرة من ظواهر العالم الحدیث. کما ینبغی کذلک أن نأخذ بعین الاعتبار المعاییر الأساسیة فی تألیف الأعمال الموسوعیة. ومن خلال معالجة هذین السؤالین الفرعیین یمکن الوصول إلى إجابة أکثر وضوحًا عن السؤال الأساسی ، ألا وهو: ما الدور الذی تؤدیه الموسوعات فی الحیاة الفکریة والثقافیة للمجتمع؟
التعریف
الموسوعة هی مستودعٌ للمعرفة الدقیقة والموثوقة، المنظَّمة بشکل منهجی فی صورة مقالات مرتبة ترتیبًا أبجدیًا، وتُؤلَّف إما فی إطار المعرفة العامة، أو حول مجال معرفی معیّن مثل الدراسات الإسلامیة، أو ثقافة المسلمین وحضارتهم، أو الثقافة الإیرانیة، أو الثقافة المحلیة لمنطقة محددة مثل أصفهان. والجمهور الرئیسی للموسوعات هم القرّاء المثقفون من غیر المتخصصین. فی هذا التعریف تکتسب کلمة «منهجیة» أهمیةً مرکزیة، إذ تعبّر عن الطبیعة الجوهریة للموسوعة وتؤدی دورًا رئیسًا فی فهم وظیفتها، بینما بقیة مکونات التعریف واضحة بذاتها. یشیر مصطلح «منهجیة» هنا إلى المعنى الذی تبنّاه أوائل المؤلفین الموسوعیین فی أوروبا خلال القرنین السابع عشر والثامن عشر. فالموسوعات من ثمرات عصر التنویر، وتعتمد على تقدیم المعرفة المعاصرة القائمة على العقل والعلم التجریبی والفکر العلمانی. ومن وجهة نظر الموسوعیین، فإن الموسوعة تمثل مشروعًا فکریًا جماعیًا وحرکةً معرفیة شاملة تسعى إلى تقدیم أدق وأوسع المعارف الإنسانیة فی کل مجال، وذلک من خلال تعبئة شاملة لکل الموارد المعرفیة المتاحة واتباع مقاربة حیادیة وشاملة. ویتحقق ذلک من خلال:
- المنظور التاریخی،
- البنیة المنطقیة،
- التعبیر بأسلوب موجزوافٍ وشاملٍ فی آنٍ واحد.
إنّ الجمع بین هذه العناصر الثلاثة یشکّل المعنى المقصود من مصطلح «المنهجیة».
عملیة إنتاج المعرفة
تبدأ عملیة إنتاج المعرفة فی الأوساط الأکادیمیة عادةً بمحاضرة أو مقالة علمیة تطرح نظریةً جدیدة أو رؤیةً مبتکرة حول موضوع أو إشکالیة معیّنة، أو تقدّم وصفًا أو تصنیفًا جدیدًا لمسألة معروفة من قبل. فی الأعمال اللاحقة، تُستکشَف تلک النظریة أو الفکرة الأولیة أو الوصف الأوّلی بشکل أعمق وأوسع، إما بواسطة المؤلف الأصلی أو من قِبَل باحثین آخرین. وکثیرًا ما تُنشَر النتائج المُجمّعة لهذه الأبحاث لاحقًا فی صورة کتب. ومع مرور الزمن، تتوالى المقالات والکتب التی تقدّم للقراء رصیدًا معرفیًا متنامیًا حول الموضوع أو الإشکالیة نفسها. وبهذه الطریقة، یتشکّل تدریجیًا عبر التاریخ تراثٌ مکتوب ومجموعةٌ من المصادر حول فکرة أو موضوع معیّن. لکن فی نهایة المطاف، یؤدی تراکم هذا الکمّ الکبیر من المواد إلى صعوبة متزایدة لدى الأجیال الجدیدة فی الرجوع إلى کل المصادر الأصلیة، أو تتبُّع المسار التاریخیّ للنقاش. وعند هذه المرحلة، یقوم أفرادٌ عادةً ما یعملون ضمن فریقٍ علمی، ممن اطلعوا بشکل شامل على الأدبیات المتصلة بالموضوع، وتعرّفوا على مراحل تطوّر النقاش بشأنه، بإعداد مقالة موسوعیة حول ذلک الموضوع. هذه المقالة الموسوعیة تُقدّم رؤیةً شاملة عن الموضوع أو الإشکالیة، وتعرض فی الوقت نفسه أبرز الأعمال والأفکار فی هذا المجال.
من خلال إعداد هذا النوع من المقالات، یحقّق مؤلفو الموسوعات عدّة أهداف، منها: أولًا: توفیر وقت القارئ، ثانیًا: تقدیم خلاصة دقیقة ومنتقاة لأبرز المعلومات والأفکار حول الموضوع أو الإشکالیة المطروحة، وتمهید الطریق لمزید من الأبحاث عبر توفیر نقطة انطلاقٍ موثوقة، وثالثًا: إتاحة مواصلة البحث لأهل الاختصاص. ولهذا السبب، یجب أن تستند المقالة الموسوعیة، من حیث المبدأ، إلى ما نُشر مسبقًا من کتب ومقالات أکادیمیة. ولکن قد یُلجأ فی بعض الأحیان إلى الاعتماد على مصادر التاریخ الشفوی أیضًا. فی موسوعة أصفهانیکا، هذه ایضاً هی المنهجیة العامة التی نتّبعها فی کتابة المقالات. وإلى جانب الاستناد إلى المصادر المکتوبة المعتمدة، نبذل جهدًا خاصًا فی توثیق التاریخ الشفوی، لا سیّما فیما یتعلّق بالأساتذة الحرفیین فی أصفهان، الذین بدأت أجیالهم تتلاشى تدریجیًا وفی سیاق العمل الجماعی لکتابة المقالة الموسوعیة، تُصمَّم عادةً عدة محطّات أو مراحل، تمرّ المقالة من خلالها کلیًا أو جزئیًا، وذلک تبعًا لقدرة وخبرة الکاتب المکلَّف بها. تتضمّن هذه المراحل ما یلی: تحدید موضوع المقالة وتعیین موقعها ضمن الشبکة العامة للموضوعات؛ تکلیف کاتب متخصّص على اطلاع تامّ بکل جوانب الموضوع؛ کتابة المقالة وفق السیاسات التحریریة لفریق إعداد الموسوعة؛ مرحلة التقییم الأوّلی؛ مرحلة التقییم الثانی (أو التفصیلی)، وتشمل مراجعة المحتوى والمصادر والاقتباسات من قبل باحث نظیر أو باحث أعلى درجة؛ التحریر الأسلوبی واللغوی؛ إعداد قائمة المصادر والمراجع؛ المراجعة النهائیة؛ ثم التدقیق الأخیر من جانب رئیس التحریر والمؤلف معًا.
المقالات المنهجیة
ینبغی للمقالة الموسوعیة أن تکون «منهجیة»، بمعنى أنها تتبع منظورًا تاریخیًا، وتمتلک بنیة منطقیة واضحة، وتستخدم أسلوبًا تعبیریًا موجزًا ومُحکمًا. ولهذا السبب یُقال غالبًا إنّ مَن یقرأ مقالةً موسوعیةً، فإنما یقف على أکتاف من سبقوه من أصحاب العلم والخبرة. وبناءً على ذلک، کثیرًا ما ینصح الأساتذة طلبتهم بضرورة بدء أی بحث علمی بالرجوع أولًا إلى مقالة موسوعیة رصینة حول الموضوع قید الدراسة، بهدف التعرّف على خلفیات النقاش والاطّلاع على أبرز ما کُتب فیه. بعد ذلک، یستطیع الطالب أن یوسّع دائرة بحثه من خلال الاطلاع على المصادر المختارة والمذکورة فی تلک المقالة. بالطبع، تفترض هذه النصیحة أنّ الأستاذ والطالب معًا یطمحان إلى توسیع آفاق المعرفة، ولیس مجرد إعادة إنتاج المادة الموجودة مسبقًا عبر إعادة صیاغتها أو تکرارها.
المعنى المقصود من مصطلحَی «الحیادیة» و«الشمولیة» فی التعریف الذی یتبناه الموسوعیون واضحٌ بذاته. فمن الطبیعی أنه إذا تعمّد کُتّاب المقالات الموسوعیة إغفالَ وجهة نظرٍ راسخةٍ أو مهمةٍ، فإن عملهم لن یرقى إلى المعاییر الأکادیمیة المطلوبة، وسیفقد مصداقیته العلمیة. ومن الضروری الإشارة هنا إلى أنّ مفهوم «الحیادیة»، فی هذا السیاق، یرتبط بمرحلة جمع المعلومات، ولیس بمرحلة التعبیر عن الرأی العلمی. فی الحالة الثانیة، یشکّک بعضهم فی إمکانیة أن یظلّ العالِم محایدًا تمامًا فی النقاش العلمی. وفیما یلی سأقدّم شرحًا أکثر تفصیلًا للعناصر الجوهریة الثلاثة التی تحدّد معیار الکتابة الموسوعیة المنهجیة.
1 – المنظور التاریخی. هو مصطلح یُستخدم أحیانًا کمقابل لعبارة historical approach فی اللغة الإنجلیزیة. والمقصود به هنا منهجٍ یُقدّم المؤلّف من خلاله المعلومات مع مراعاة دقیقةٍ للتطوّر الزمنی للموضوع أو المفهوم، بحیث ینبغی عند الکتابة عن شخصیةٍ أو موضوعٍ أو مفهومٍ معیّن أن یأخذ بعین الاعتبار التحولات التاریخیة الکبرى التی طرأت على حیاة الشخصیة أو على معنى الموضوع أو على تطور المفهوم نفسه، وهذا المعنى بسیطٌ وواضحٌ ومقبولٌ على نطاق واسع، إلا أنّ کثیرًا من الأخطاء التاریخیة التی نجدها فی المصادر تعود إلى إغفال هذه المسألة بالذات. لکنّ تعبیر «المنظور التاریخی» قد شهد بدوره تحولًا دلالیًا، واکتسب معنیین آخرین أکثر تعقیدًا وربما أقل شیوعًا؛ وللقارئ أن یتجاوز بقیة هذه الفقرة إن وجد التفاصیل اللاحقة فنیةً أو معقدةً أکثر من اللازم. یشیر هذا التعبیر أحیانًا إلى رؤیة فلسفیة خاصة بالفیلسوف الألمانی جورج فیلهلم فریدریش هیغل (توفی 1832م)، الذی تبنّى فکرة أنّ کلّ شیء ینبغی أن یُفهم ضمن سیاقه التاریخی الأشمل؛ ففی حین کان أرسطو قد اقترح تعریف کل شیء من خلال جنسه وفصله، رأى مفکرو القرن التاسع عشر، ولا سیما المتأثرون بهیغل، أنّ جوهر الأشیاء لا یمکن فهمه بشکل کامل إلا من خلال وضعها ضمن سیاقها التاریخی، وبالتالی فإنّ کلّ فهمٍ هو فهمٌ مقیّدٌ بشروطه التاریخیة، وأن الحجج والتفسیرات التی تبرر أی معتقد أو نظریة لا تصحّ إلا فی إطار الظروف التاریخیة التی نشأت فیها، وهکذا یصبح تاریخ الأفکار مطابقًا لتاریخ البشریة نفسه. ویُطلق على هذا المعنى الثانی أحیانًا مصطلح «النزعة التاریخیة» الذی یُترجم فی بعض الأحیان (ولیس دائمًا بشکل دقیق) إلى العربیة بـ«المنظور التاریخی». کما تأثرت نظریة «النماذج الإرشادیة» فی العلوم الطبیعیة، والتی وضعها المفکر توماس کون، بهذه الرؤیة عن التاریخ. وقد رأى مفکّرون آخرون، من أبرزهم فیلهلم دلتای، أنّ جمیع العلوم الإنسانیة تُعد علومًا تاریخیة بهذا المعنى، ولکنهم رفضوا الرأی الوضعی الذی یقول بأن العلوم الإنسانیة یجب أن تتبع معاییر العلوم الطبیعیة ومناهجها. ومع ظهور «النزعة التاریخیة» بمعنى ضرورة فهم کل معرفة فی إطارها التاریخی، ظهر تیار فلسفی آخر مختلف، ینتمی إلى التقلید الفلسفی الوضعی، یُعرف بـ historicism أو historicity ، وهو توجّهٌ فکریٌّ یؤکد أنّ أی ادعاءٍ تاریخی یجب أن یکون قابلًا للتحقق والإثبات من خلال أدلةٍ موثوقة. فی هذا المنهج، یُبحث عن صدق وکذب المعطیات – التی تُقابل معطیات ما قبل التاریخ من الأساطیر والمیثولوجیا – سواء کانت من قبیل مزاعم الأدیان فی الکتب المقدسة أو من قبیل دعاوى المؤرخین، فی ضوء الأدلة المعقولة والقابلة للإثبات والنقل للآخرین، ویُنظر فی إمکانیة إثبات کل شیء فی ظلّ نظام العلیة والمعلولیة، أو بعبارة أدقّ فی ظلّ نظام الترابط (وهو نوع من العلاقة العلیّة) فی العالم، وذلک بغیة التوصل إلى قواعد کلیة ونماذج للتنبؤات التاریخیة. ولا یتوافق هذا المنهج مع المقاربات الظاهراتیة فی دراسة الأدیان، والتی تعتمد توجهات معرفیة مختلفة. وعندما یستخدم کُتّاب الموسوعات تعبیر «المنظور التاریخی» فهم عادةً یقصدون الدمج بین هذه المعانی الثلاثة التی تطورت على مدار قرنین ، وبالتالی فإنّ أحد المعاییر الأساسیة فی کتابة المقالات الموسوعیة هو مراعاة الترتیب التاریخی للموضوع، والاهتمام الدقیق بسیاقه التاریخی، والامتناع عن ذکر أیّ ادعاءاتٍ غیر قابلة للإثبات أو التحقّق من جانب الآخرین.
2- بنیة منطقیة. تتطلب کتابة أی مقال هندسةً فی عرض المحتوى، وهذه الهندسة تستلزم بُنیةً منطقیة. وعلى الرغم من عدم إمکانیّة أو رغبة تحدید نموذج هیکلیّ موحّد لکلّ المقالات، فإنّ المهمّ أن تتوفّر فیها بنیة منطقیّة داخلیّة واضحة؛ بحیث إذا تساءل المؤلف أو القارئ فی أی جزء من المقال عن علاقة هذا المحتوى بادعاء المقال الرئیسی، أمکن تحدید موضعه وتجنب الارتباک الفکری والکتابی. نظام هندسة المقالات ذات البنیة المنطقیة یتحقّق من خلال أداة تُسمّى “الفقرة”. لم تکن النصوص الکلاسیکیّة عمومًا تُقسم إلى فقراتٍ بالمفهوم المعاصر، ولکن فی المقالة البحثیّة ذات البناء المنطقیّ المُحکم، یجب أن تحتوی کلّ فقرةٍ على فکرةٍ مرکزیّةٍ واحدة، وتُقدّم توضیحًا متماسکًا لهذه الفکرة مع الحفاظ على استمرار العلاقة مع بقیّة أجزاء المقالة (مع أنّنا هنا لن نتعرّض للتفاصیل المتعلّقة بجُمل الموضوع والتماسک النصّیّ وترابط الأفکار). أمّا فی المقالات الموسوعیّة، فغالبًا ما تُخصَّص کل فقرةٍ لمرحلةٍ تاریخیّةٍ معیّنةٍ أو لجانبٍ من جوانب الموضوع، مع المحافظة فی الوقت ذاته على وحدة الأفکار وترابطها الداخلیّ. ولیست الفقرات عناصر زخرفیّة تُضاف فقط لإراحة القارئ أو لملء الصفحة، کما لا ینبغی للمؤلّف أن یُحدّد مواضع الفقرات الجدیدة بصورة اعتباطیّةٍ أو بناءً على الرغبة الشخصیّة أو الاعتبارات الشکلیّة. بل إنّ الفقرات تؤدّی دورًا أساسیًّا فی إبراز البنیة المنطقیّة للمقالة، ولهذا یجب على المؤلّفین أن یولوا اهتمامًا دقیقًا لترتیب الفقرات وتماسکها. .
3- عرضٌ موجَز. تهدف المقالة الموسوعیّة إلى تقدیم مسارٍ تاریخیّ طویل، وغالبًا ملیء بالمعلومات، باستخدام عددٍ محدودٍ من الکلمات. وهذا الهدف یفرض على الکاتب عدّة متطلّبات أساسیّة، أوّلها أن تکون المقالة مترابطة شبکیًّا، أی أن یُحیل المؤلّفُ القارئَ إلى المقالات المتعلقة بأی موضوع أو مفهوم ذی صلة ؛ فعلى سبیل المثال، إذا کانت المقالة تتناول حیًّا معیّنًا فی مدینة أصفهان، فلیس من المناسب تقدیم أوصافٍ تفصیلیّةٍ لجمیع المعالم التاریخیّة المهمّة الموجودة فیه، بل ینبغی للمؤلّف الإشارة بإیجازٍ إلى أبرز المعالم (مثلًا فی حیّ جوباره: مناراته أو معابده الیهودیّة) مع توضیح وجود مقالاتٍ منفصلةٍ مخصّصةٍ لکلّ معلمٍ منها، وذلک بواسطة علامة نجمة أو رمزٍ قیاسیٍّ آخر. وتعدّ عملیّة إنشاء هذه الشبکة من المقالات المتداخلة – التی یمکن تسمیتها هندسة المقالات – من الشروط الأساسیّة فی أی مشروعٍ موسوعیّ، وهی مهمّة لیست سهلةً على الإطلاق. وفی موسوعة أصفهانیکا، تُمیّز المقالات المستقلّة التی خُصّصت لها مدخلات مستقلّة بوضع علامة نجمة، وتظهر هذه المقالات على الموقع الإلکترونیّ بلونٍ مختلفٍ قابلٍ للنقر، ولکن یُطبَّق هذا النظام بقدرٍ من التأنّی والانتقائیّة، ویقتصر على الحالات التی قد لا یکون القارئ فیها على علمٍ مسبقٍ بوجود مقالة منفصلة للموضوع المُشار إلیه. وثانیًا، یجب على کُتّاب الموسوعة ترتیب أولویّات المحتوى فی کلّ مقالة بعنایةٍ فائقة، وذلک بإغفال التفاصیل الثانویّة أو المعلومات غیر الضروریّة، أی تلک التی لن یؤثّر وجودها أو غیابها على فهم القارئ للموضوع. أمّا ثالثًا، فینبغی أن تکون المقالة مکتوبة بأسلوبٍ متینٍ ودقیق، خالٍ من التکرار أو الحشو اللفظیّ والزخرفة البلاغیّة، إذا استعرنا عبارةً من التقلید الأدبیّ. وقد تبدو مسألة تحدید ما ینبغی ذکره وما یجب ترکه سهلةً من الناحیة النظریّة، ولکنّها فی الواقع من أکثر تحدّیات الکتابة الموسوعیّة صعوبةً.
أصفهانیکا فی لمحة
استنادًا إلى هذا التعریف للموسوعة، تسعى موسوعة أصفهانیکا أوّلًا إلى تقدیم معرفة دقیقة وشاملة عن تاریخ أصفهان وثقافتها وحضارتها، وذلک بأسلوبٍ منظَّمٍ ومنهجیّ، یُخاطب الباحثین والقرّاء المثقّفین من غیر المتخصّصین، وکلّ من یَهمّه الاطّلاع على تراث هذه المدینة العریقة. وفی جمیع المقالات، یکون الإطار المفهومیّ والنظریّ متمرکزًا حول أصفهان نفسها، بوصفها المحور الأساسیّ لکلّ معالجةٍ أو تحلیل. وثانیًا، من خلال عرض هذا الرصید المعرفیّ أمام جمهورٍ إیرانیّ وغیر إیرانیّ على حدٍّ سواء، نهدف إلى صون الهویّة الثقافیّة والحضاریّة لمدینة أصفهان والحفاظ علیها، وفی الوقت ذاته دعوة الآخرین لزیارة هذه المدینة والتعرّف عن کثبٍ إلى عظمة حضارةٍ حیّة، وثقافةٍ متعدّدة الأصوات تمتدّ فی عمق التاریخ وتمتاز بالغنى والتنوّع. وتُقدَّم الموادّ المعرفیّة فی موسوعة أصفهانیکا بثلاث لغات: الفارسیة، والعربیة، والإنجلیزیة، ومن خلال صیغتین أساسیتین: الأولى هی المقالات المرتبة على أساس أبجدیّ، والثانیة هی التصنیف الموضوعیّ وفق اثنی عشر مجالًا معرفیًّا رئیسًا، کما یمکن للمستخدمین الوصول إلى المحتوى المطلوب من خلال أداة البحث المخصّصة ضمن المنصة.
بضع ملاحظات
تُختَتم هذه المقالة بثلاث ملاحظات ختامیّة: أوّلًا، إنّ إنتاج الموسوعات یُشکّل جزءًا أساسیًّا فی استکمال دورة إنتاج المعرفة، غیر أنّ اکتمال هذه الدورة لا یمکن أن یتحقّق من دون بذل جهدٍ أکبر فی تألیف المقالات والکتب الأکادیمیّة التأسیسیّة، التی تُعدّ بمنزلة الأساس الاستدلالیّ والمرجعیّ للکتابة الموسوعیّة. فهاتان الفئتان من النتاج العلمیّ – أی المقالات والکتب من جهة، والمقالات الموسوعیّة من جهةٍ أخرى – ترتبطان بعلاقة جدلیّة متبادلة، إذ إنّ کلّ واحدةٍ منهما تعتمد على الأخرى. فالجامعات والحوزات العلمیّة تنصرف فی الغالب إلى إنتاج أبحاثٍ تخصصیّة ذات طابعٍ تفصیلیّ، بینما ترکّز المؤسّسات الموسوعیّة على تنظیم هذا النتاج فی صورة مقالاتٍ موسوعیّة. ومن دون قاعدة متینة من الدراسات الأکادیمیّة المفصّلة وذات الجودة العالیة، لا یمکن کتابة مقالات موسوعیّة موثوقة، کما أنّ غیاب المقالات الموسوعیّة الدقیقة والرصینة یعیق هو الآخر تطوّر النتاج العلمیّ الجدید. ثانیًا، وبالنظر إلى النقص الحالیّ فی إنتاج المقالات والکتب الأکادیمیّة المعیاریّة فی إیران، فإنّ العبء یقع – وبصورةٍ غیر متکافئة – على کُتّاب الموسوعات فی مختلف المؤسّسات؛ فهؤلاء الکتّاب غالبًا ما یُضطرّون – بسبب قلّة الدراسات السابقة الموثوقة – إلى أن لا یقتصر دورهم على تلخیص الأبحاث السابقة ونقدها، بل یتوجّب علیهم القیام بأعمالٍ تحقیقیّة تأسیسیّة من جدید، وهی مهمّة، وإن أُنجزت على الوجه الأمثل، فإنّها مرهقة ذهنیًّا، وتستنزف الکثیر من الوقت والطاقة والموارد، بل ویُخشى أحیانًا ألّا تکتمل هذه العملیّة أصلًا. ثالثًا، یُوصى بأن تولی المؤسّسات البحثیّة والعلمیّة، بما فی ذلک الجامعات، اهتمامًا أکبر بتجنّب تکرار الموضوعات البحثیّة، وأن تلزم الباحثین والطلبة – منذ المراحل الأولى من مشاریعهم – بالرجوع إلى المقالات الموسوعیّة ذات الصلة ضمن مراجعة الدراسات السابقة؛ فذلک من شأنه أن یَحول دون التکرار، ویُقدّم فی الوقت ذاته مادّةً مفیدةً للمؤلّفین الموسوعیّین فی المستقبل. وفی إطار الحرص على تجنّب الجهود المکرّرة، تُعید موسوعة أصفهانیکا نشر المقالات الجیّدة المکتوبة عن أصفهان فی موسوعاتٍ أخرى، بعد إدخال تعدیلاتٍ طفیفة علیها، مع المحافظة الکاملة على حقوق النشر والإشارة الصریحة إلى مصدرها الأصلیّ.
سعید عدالتنجاد
(النائب العلمی لموسوعة أصفهانیکا وعضو الهیئة العلمیة فی مؤسسة دائرة المعارف الإسلامیة )