الأصفهاني، محمدصالح، خطاط وکاتب نقوش في القرن الثاني عشر (ت ح 1130). وهو ابن الميرزا أبو تراب الأصفهاني* المعروف بـ «ترابا»، وکان من کبار خطاطي أصفهان ومن مشاهير کتّاب خط النستعليق، ومن أبرز تلامذة ميرعماد*. تعلّم محمدصالح وأخوه نور الدين محمد (المعروف بـ «نورا») فنّ الخط على يد أبيهما، ومع أنهما1 بلغا مرتبة کبار خطاطي النستعليق في زمانهما (النصف الثاني من القرن الحادي عشر والنصف الأول من القرن الثاني عشر)،2 فقد کانا يقدّمان اسم أبيهما على اسميهما عند توقيع أعمالهما.3
کان محمدصالح من نوابغ الخطاطين في مدرسة أصفهان خلال عهدي الشاه سليمان (1105–1077) والشاه سلطان حسين الصفوي (1135–1105). غير أن تشابه الأسماء بين عدد من الخطاطين الذين حملوا اسم «محمدصالح» في العصر الصفوي أدّى أحياناً إلى الخلط في تراجمهم وذکر أحوال بعضهم تحت ترجمة محمدصالح الأصفهاني. ومن ذلک ما قيل: «إن الشاه عباس بعد مقتل ميرعماد أرسله إلى الهند ليأتي برشيدا* إلى إيران».4 ومن الواضح أن هذا القول غير صحيح، لأن محمدصالح کان حياً إلى حدود سنة 1130، أي بعد أکثر من قرن من مقتل ميرعماد سنة 1024. ونظراً لوجود عدة خطاطين بالاسم نفسه في تلک الفترة، فالأرجح أن الشاه عباس أرسل محمدصالح الخاتون آبادي إلى الهند.
ألّف محمدصالح رسالة صغيرة بعنوان تذکرة الخطاطين، تناول فيها تراجم الخطاطين في أواخر العصر الصفوي. وقد عدّ فيها محمدصالح الخاتون آبادي من تلامذة ميرعماد وأثنى على جودة کتابته.5 ووفقاً لهذه الرسالة، تعلّم الخاتون آبادي فن الخط على يد أبيه، لکنه لم يشتهر کثيراً في حياة والده، ثم بدأ بعد وفاته بتدريس خط النستعليق.6
إلى جانب هذه الرسالة، بقيت قطع خطية من کتابات محمدصالح وممهورة بتوقيعه، وقد ورد وصف بعض منها في کتاب أحوال وآثار خوشنويسان[أحوال وآثار الخطاطين]. وتدل العبارة «ببلدة حلب الشهباء في سنة 1107»،7 التي تظهر على إحدى قطعه على أنه سافر على ما يبدو إلى آسيا الصغرى في أوائل القرن الثاني عشر.
ذکر بياني وفيروزبخش أن وفاة محمدصالح کانت سنة 1126،8 بينما ذکر جلالالدين همائي أن وفاته کانت سنة 1130.9 وأشار ميرزا سنغلاخ إلى أن قبره يقع في مسجد لُنبان* بأصفهان إلى جوار مدفن والده.10
آثاره
کان محمدصالح من أتباع أسلوب ميرعماد في فن الخط. ونسختهُ عن إحدى جليبات (الجليبا هو أحد القوالب الفنية لکتابة الشعر في خط النَسْتَعْليق) ميرعماد التي مطلعها «پيوسته اميدم بخداي متعال» (أملي دائمًا بالله المتعال)، محفوظة في متحف ميرعماد بقصر سعد آباد، تحمل توقيعه: «العبد محمدصالح غفر ذنوبه». ومن الجليبات القليلة المؤرخة له قطعة محفوظة في متحف ملک الوطني، نقش فيها: «أحقر العباد محمدصالح غفر ذنبه 1109».
إلى جانب کثرة ما خلّفه محمدصالح من أعمال الجليبا ونَسخِ الکتب، تدلّ النقوش المعمارية الباقية في أصفهان على أنّه، بعشر نقوش بخط النستعليق، کان أکثر کُتّاب النقوش إنتاجاً في العصر الصفوي.11 وعلى لوح قبر صائب* الشاعر الکبير في الأسلوب الهندي يظهر التوقيع «فقير محمدصالح». ويتألف نص هذه الکتابة من خمسة أبيات من غزله المشهور الذي مطلعه:
لا يوجد حجابٌ يخلو من صوتک / العالم مملوءٌ بک ومکانُکَ خالٍ
[در هيچ پرده نيست نباشد نواي تو / عالم پر است از تو و خالي است جاي تو]
ويُضاف إليها بيتٌ منفرد هو:
کيف تُمحى من صفحة القلوب آثاري / وأنا ذلک الذوق الذي يأخذونهُ من أقوالي
[محو کي از صفحۀ دلها شود آثار / من همان ذوقم که مييابند از گفتار من]
نُقِش نصّ هذه الأبيات في اثنتي عشرة حجرة على صخرةٍ واحدة متّصلة. وفي أسفل اللوح، داخل إطارٍ منفصل، کُتبت العبارة التالية: «تحريراً شهر جمادى الأولى فقير محمدصالح سنة 1087». ويدلّ التاريخ على أنّ تنفيذ کتابة المقبرة تمّ بعد سنةٍ واحدة من وفاة صائب. وفي البستان الذي تقوم فيه مقبرة صائب، يوجد على لوحٍ حجري في الجدار الشرقي ستة أبيات تتناول إعادة بناء سدّ رويدشتين، وبين شطري البيت الأخير کُتب: «راقمه محمدصالح 1100».
إنَّ نقش دهليز مدخل الإمام زاده إسماعيل* في أصفهان هو أيضاً من جملة أعمال محمدصالح. وقد نُفّذت بخط النستعليق البارز بلونٍ ذهبي على سياق لازوردية باستخدام تقنيةالزخارف الجصية. وتضمّ أربعة أشطارٍ تتضمن قِطعة تأريخ تشير إلى سنة التنفيذ، وهي 1111. وبعد البيت الأول، وفوق باب المدخل، کُتب: «کتبه محمدصالح الأصفهاني».12
تُعَدّ نقوش مدرسة جهارباغ* في أصفهان من أشهر آثار محمدصالح، وقد کُتبت بين سنتي 1118 و1120. وتُعرف هذه المدرسة أيضاً باسم مدرسة مادرِ شاه [أم الملک]، وهي أضخم منشأة ملکية في عهد الشاه سلطان حسين الصفوي،13 وتمتاز بتنوّعٍ بديع في الزخارف القاشانية. ينتهي النقش الواقع في أعلى مدخلها بهذاالبيت:
تناول أزهري القلم وکتب تاريخها // «باسم مدرسة الشاه أصبحت من کمال آباد»
[قلم گرفت و نوشت ازهري به تاريخش //« به نام مدرسۀ شه شد از کمالآباد»]
قِطعة التأريخ لهذا النقش تُعادِلُ سنة 1118، ويُرى في نهايتها توقيع «کتبه محمدصالح». هذا النقش الخشبي، الذي نُفِّذَ بتقنية التغليف (التنجيد)،14 کُتبت باللون الأبيض على سياق سوداء فوق الدرابزينات الدقيقة لغرفاتٍ ستٍ تحيط بصالة المدرسة، وتضم خمسة عشر بيتاً من نظم شاعر يُدعى «أزهري».
من أبرز آثار محمدصالح أيضاً نقش الباب الفضي ذي المِصراعين لمدخل مدرسة جهارباغ،15 الذي ينتهي بهذاالبيت:
کتب القلم البديع لتاريخها / «فتح الله بأصفهان باب مدينة العلم»
[نگاشت کلک بديع از براي تاريخش / «گشاد حق به صفاهان در مدينۀ علم»]
وتتألف هذه القصيدة من ستة عشر بيتاً، نُقشت کلّ شطرةٍ منها في إطارٍ مستقلّ، ثمانية أبيات على المِصراع الأيمن وثمانية على المِصراع الأيسر. وفي النهاية، بين البيتين الأخيرين من المِصراع الأيسر، يظهر توقيع الخطاط: «کاتب الحروف محمدصالح غفر ذنبه». کما أنَّ قِطعة التأريخ للمِصْراع الأخير تُعادِلُ سنة 1120. کما أن النقش الواقع في أعلى صالة مدخل المدرسة هو أيضاً بخط محمدصالح، وقد کُتب في اثنتين وعشرين لوحة متتالية باللون الأبيض على سياق من القاشاني اللازوردي، ويضمّ بيته الأخير قِطعة تأريخ تُعادِلُ سنة 1120:
قال شوقاً لإتمام هذا البناء العالي / «المدرّس کلبُ عليٍّ وملکُ الدين سلطان حسين»
[از پي اتمام اين عالي بنا از شوق گفت / «مدرس کلب علي و شاه دين سلطان حسين»]
بين المِصْراع الحادي عشر والمِصْراع الثاني عشر يظهر التوقيع «کتبه محمدصالح». إنَّ نقش صالة المدخل الشمالي لمدرسة جهارباغ بخطه أيضاً، وقد کُتب باللون الأبيض على سياق من القاشاني اللازوردي، وينتهي بهذاالبيت:
مسجدُ السلطان العادل، يا بدرَ أوجِ المشرقين / ومدرسةُ الجنابِ العالي ملکُ الدين سلطان حسين
[مسجد سلطان عادل، ماه اوج مشرقين / مدرس عاليجناب شاه دين سلطان حسين]
يحمل المِصراع الأخير من هذه الألواح تاريخي سنتي 1118 و1119، وبين هذين المِصراعين کُتب: «کتبه محمدصالح». کما وردت قِطعة التأريخ: «رحمةُ الحقِّ وقفُ هذا المسجد» في نقش مدخل مسجد عليقلي آقا*، وتاريخ تنفيذها سنة 1122، وقد ذُکر فيها اسم «محمدصالح». إنَّ أسلوب تنفيذ هذا النقش هو قاشاني مُعَرَّق* أبيض على سياق لازوردية يحيط بها إطار فيروزي. وقد بُني مسجد علي قلي آقا والحمّام المجاور له سنة 1122 على يد أحد الخِصْيان في حرم الشاه سلطان حسين.16
نسب مهدي بياني في کتابه أحوال وآثار خوشنويسان نقش الزخارف الجصية على إيوان مدخل قصر چِهِلسُتون*( الأربعون عمودا) إلى محمدصالح الأصفهاني،17 في حين نسبه همائي، مؤلف تاريخ أصفهان، إلى محمدصالح الخاتون آبادي.18 وبما أنّ محمدصالح الخاتون آبادي عاش في القرن الحادي عشر وکان تلميذاً مباشراً لميرعماد،19 وأيضاً بالنظر إلى قِطعة التأريخ الواردة في النقش «مبارک باد تالار بلند إيوان جم جاهي»[«تبارَکَ القاعةُ الشاهقةُ لإيوانِ العظيمِ الشأنِ»] التي تُحدِّد سنة 1118، وإلى التوقيع «کتبه محمدصالح»، وبالنظر إلى أن خاتون آبادي کان تلميذاً مباشراً لميرعماد، فإن زمن تنفيذ النقش هو 94 عاماً بعد مقتل ميرعماد، ولهذا يبدو نسبتها إلى محمدصالح الأصفهاني أرجح. وبناءً على أقدم أعماله المعروفة في النقوش (لوح قبر صائب سنة 1087) وآخرها (مسجد عليقلي آقا سنة 1122)، يمکن افتراض أنّه مارس فنّ کتابة النقوش مدة لا تقلّ عن خمسٍ وثلاثين سنة.
/فرهاد خسروي بيجائم/
المصادر
الأصفهاني، محمدصالح بن أبي تراب، تذکرة الخطّاطين، طبعة بجمان فيروز بخش، في نامۀ بهارستان[رسالة بهارستان]، السنة 6-7، العدد 1-2، 1384-1385 ش[2005-2006 م].
بياني، مهدي ، احوال و آثار خوشنويسان[أحوال وآثار الخطاطين]، طهران 1363 ش[1984 م].
خسروي بيجائم، فرهاد، «شناسايي و معرفي خوشنويسان کتيبههاي نستعليق در بناهاي دورۀ صفوي ايران» [تحديد وتعريف خطاطي نقوش النستعليق في مباني العصر الصفوي بإيران]، نکره [النظرية] ، العدد 49، بهار 1398 ش[ربيع 2019 م].
غودار، أندريه، «اصفهان» [أصفهان]، في آثار إيران، تأليف أندريه غودار وآخرون، ترجمة: أبو الحسن سروقد مُقدّم، مج٤، مشهد ١٣٨٤ ش [٢٠٠٥ م].
همائي، جلالالدين، تاريخ اصفهان: مجلد هنر و هنرمندان [تاريخ أصفهان: مجلد الفن والفنانين]، بتحقيق ماهدخت بانو همائي، طهران 1375 ش[1996 م].
هنر فر، لطف الله، کنجينه آثار تاريخي اصفهان [کنز آثار أصفهان التاريخية]، أصفهان ١٣٥٠ ش [١٩٧١ م].
- الأصفهاني، مقدمة فيروز بخش، ص13.[↩]
- همائي ، ص129، 154.[↩]
- نفسه، ص129.[↩]
- بياني، ص 767.[↩]
- الأصفهاني، ص 19-20؛ بياني، ص 774.[↩]
- الأصفهاني، مقدمة فيروز بخش، ص13.[↩]
- بياني، ص773.[↩]
- نفسه، ص 772؛ الأصفهاني، مقدمة فيروز بخش، ص14.[↩]
- همائي، ص129.[↩]
- الأصفهاني، مقدمة فيروز بخش، ص14.[↩]
- خسروي بيجائم، ص51.[↩]
- غودار، ص315.[↩]
- هنر فر، ص685.[↩]
- خسروي بيجائم، ص47.[↩]
- همائي، ص129.[↩]
- غودار، ص334.[↩]
- بياني، ص772.[↩]
- همائي، ص152.[↩]
- نفسه، ص130.[↩]