قشقائي، جهانغير خان، أستاذ الفلسفة وبعض العلوم الإسلامية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر (1243–1328).
لا يُعرَف الکثير عن حياته. کان ابن محمد خان القشقائي، من قبائل فارس وفخذ الدرهشوري ، وولد سنة 1243 في بلدة دهاقان*، من نواحي أصفهان.1 ويُقال إنّه حتى سنّ الأربعين لم يسافر سوى مرّة واحدة إلى شيراز، حيث عمل کاتباً لخاله، عُمدة قرية همغين في ناحية دهاقان، وکان في الوقت نفسه يشتغل بالزراعة هناک. ولمّا بلغ الأربعين قدم إلى أصفهان وبدأ بطلب العلم.2
توجد في المصادر روايات متعدّدة حول قدوم جهانغير خان إلى أصفهان وقراره الإقامة فيها. ووفقاً للرواية الأکثر شيوعاً، فقد سافر مع بعض أفراد عشيرته إلى أصفهان لشراء مؤونة الأسرة السنوية. وأثناء هذه الرحلة مرّ بمنطقة جهارسوق* ، وهي من أحياء أصفهان، حيث سخر منه الصبيان بسبب هيئته ولباسه وتعرّض للأذى منهم. وفي تلک اللحظة صادف أن حضر همائي الشيرازي، والد جلال الدين همائي* ، فهبّ لنجدته وأبعد الصبيان عنه. ثم سأله همائي الشيرازي عن سبب وجوده هناک، فأجابه بأنّ له بعض الحاجات، منها شراء أوتار لآلة السهتار. فأرشده همائي الشيرازي إلى جُلفا* (حيّ مسيحي في المدينة)، ليشتري الأوتار، وخلال الحديث أدرک أنّ جهانغير خان يمتلک ذکاءً وقّاداً. ولذلک نصحه بأن يبقى في أصفهان لطلب العلم، فقبل بذلک، ودخل في صفوف طلبة العلوم الدينية وهو في منتصف العمر.3
وفي رواية أخرى لا يُذکر سوى شغفه بالعلم. فبحسب هذا القول، کان منذ طفولته ذا رغبة شديدة في التعلّم، وکان أبوه يستأجر له المعلّمين. غير أنّ حياة البدوية، بما فيها من تنقّل دائم بين المصايف والمشاتى، حالت دون مواصلته للدراسة. ولذلک توجّه إلى أصفهان في سنّ الثانية والعشرين أو الثانية والثلاثين4 لمتابعة طلب العلم. وفي رواية أخرى، يذکر ديوان بيکي الشيرازي أنّه رأى جهانغير خان سنة 1302ـ، وأنّه کان يقيم في أصفهان منذ أکثر من عشرين سنة، وکان يقارب الخمسين من العمر.5 غير أنّ هاتين الروايتين لا تبدوان صحيحتين، إذ لو کان قد أقام في أصفهان أکثر من عشرين عاماً وکان يقارب الخمسين عند رؤيته من قِبَل ديوان بيکي ، فلا بدّ من وقوع خطأ في تقدير عمره. ذلک أنّه وُلد سنة 1243، فيکون عمره حينذاک نحو تسعة وخمسين عاماً. ثم إنّ أکثر المصادر التي تذکر سنة ولادته 1243 تذهب أيضاً إلى أنّ قدومه إلى أصفهان کان سنة 1283، أي حينما کان في حدود الأربعين من عمره.6
في أصفهان، درس جهانغير خان على أيدي عدد من الأساتذة: ففي الفلسفة وعلم الکلام على يد الشيخ محمد رضا القمشئي*7 والملا إسماعيل الدربکوشکي*8؛ وفي الفقه عند الميرزا محمد حسن النجفي*9 وأخيه محمد باقر النجفي؛10 وفي الرياضيات على يد الملا حيدر صبّاغ اللنجاني؛11 وفي الطبّ والعلوم الطبيعية عند الميرزا عبد الجواد الحکيم.12
أمضى جهانغير خان معظم مسيره التعليمي في مدرسة صدر بازار*. وکان يُلقي دروسه في الأسفار الأربعة للملا صدرا* وفي شرح المنظومة للملا هادي السبزواري، فأحيا بذلک دراسة الفلسفة في الحوزة العلمية بأصفهان. وکان طلب الفلسفة في ذلک الوقت بين العلماء والطلبة يُعَدّ بمنزلة الکفر والإلحاد ويجلب السمعة السيئة، ومع ذلک کان يشجّع بعض تلامذته على الالتفات إلى هذه العلوم.13 کما کان يدرّس الفقه وأصوله معتمداً على المکاسب للشيخ الأنصاري، وشرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني، وقوانين الأصول للميرزا القمي. وفي أيام عطلة المدارس کان يشرح ويعلّق على مختارات من نهج البلاغة. کذلک درّس الرياضيات والفلک مستنداً إلى خلاصة الحساب للشيخ البهائي* وسي فَصل[ثلاثون فصلاً] لخواجة نصير الدين الطوسي في مبادئ الحسابات الفلکية. کما کرّس جهده لتدريس علوم الأدب العربي وعلوم البلاغة، ومنها المغني لابن هشام الأنصاري والمطوّل لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني.14
لقد استفاد من دروس جهانغير خان في الفلسفة عدد من أعلام الحوزة. ومن أبرزهم: السيّد حسين البروجردي*؛15 الحاج آقا رحيم أرباب*؛16 السيّد کاظم عَصّار الطهراني؛17 الميرزا حسن وحيد الدستجردي*؛18 محمد جعفر الکاظمي الدهاقاني؛ السيّد حسن مشکان الطبسي؛ الفاضل الطوني؛19 الميرزا علي أکبر الحکمي اليزدي المعروف بتجلّي؛20 الميرزا علي الشيرازي الأصفهاني*؛21 رحمة الله ستوده الأراکي؛22 الشيخ محمد حسن الطالقاني؛23 مجتبى روضاتي؛24 محمود رضوي؛25 حسين هزاوهئي الأراکي؛26 والسيّد حسن المدرّس*.27
يُروى أنّه في أثناء الثورة الدستورية اتّبع جهانغير خان الموقفَ السياسي للشيخ فضل الله النوري، وتحدّث مطوّلاً عن نقائص الحکم الدستوري،28 ووفقاً لروايةٍ ما،29 فقد دعا الحاج آقا رحيم أرباب بالسکوت في هذا الشأن. ومع ذلک فإنّه لم يُظهر في أي وقت تأييداً أو تعاطفاً مع الاستبداد الملکي.
توفّي جهانغير خان القشقائي في أصفهان عن عمر يناهز الخامسة والثمانين، يوم الأحد 13 رمضان 1328، ودُفن في تخت فولاد*، في تکية السيّد محمد الترک، المعروفة اليوم بتکية القشقائي.30 ويُذکر أنّه کان رجلاً زاهداً، متقشفاً ، مهيباً، ومع کونه أعلمَ من کثير من علماء عصره، لم يرتدِ قطّ زيّ رجال الدين. بل کان يلبس کسائر شيوخ العشائر قبّعةً محلية ، وامتنع عن ارتداء العمامة أو إمامة الصلاة في المساجد.31 وفي شبابه نظم أشعاراً.32 ويُقال أيضاً إنّه في صباه أحبّ ابنة عمته « غُل أندام»، غير أنّه بعدما فشل مرتيْن في خطبتها لم يتزوّج بعدها قط.33 ووفقاً لوصيته وُزّعت کتبه على طلبة وأساتذة مدرسة صدر، ومن بينهم أبو القاسم الدهکردي*.34
لم يبقَ من دروس جهانغير خان القشقائي سوى جزء من محاضراته في شرح المنظومة للملا هادي السبزواري، دوّنه حسن وحيد الدستجردي. وقد قام جلال الدين همائي* بتحقيق هذا العمل، ثم أعدّه للنشر منوچهر صدوقي سُها في طهران بدار نشر «مولا» سنة 1387ش[1429/2008م]. وقد نَسب بعض المؤرخين إليه خطأً شرحاً على أجزاء من نهج البلاغة.35 وسبب هذا الخطأ أنّ اسم جهانغير خان أُدرج ـ على سبيل الاحترام ـ في المقدّمة وفي مواضع متفرقة من نسخة شرح نهج البلاغة للميرزا محمد باقر الحکيم المعروف بـ«نوّاب» (ت 1245). وبما أنّ القشقائي أصرّ على نشر هذا الکتاب، وقع الالتباس ونُسب الشرح إليه خطأ.36
خلال العقدين الماضيين دُوِّنت عدة مؤلفات حول حياة القشقائي، غير أنّ مضمونها يتألّف في الغالب استنساخ من مصادر سابقة. ومن أبرزها: مهدي قرقاني، خورشيد پنهان: شرح زندکاني حکيم آية الله ر جهانکير خان قشقايي[الشمس الخفية: سيرةُ حياةِ الحکيم آيةِ الله جهانغير خان القشقائي]، طهران، دار نشر «ميديا»، 1382ش[ 1424/2003م] ؛ و نادرة جلالي، زندکينامه و خدمات علمي و فرهنکي مرحوم ميرزا جهانکير خان قشقايي ي[السيرة الذاتية والخدمات العلمية والثقافية للمرحوم الميرزا جهانغير خان القشقائي]، طهران، جمعيّة الآثار والمفاخر الثقافية،1398ش[1440/2019م].
/مهدي عسکري/
المصادر
ابن الرضا، مهدي، ضياء الأبصار في ترجمة علماء خوانسار، قم 1382ش [2003م]
احتشامي هونغاني، خسرو، از مضراب تا محراب: جستاري پيرامون زندگاني حکيم الهي و فيلسوف صدرايي ميرزاجهانگيرخان قشقايي[من مضراب إلى محراب: بحث حول حياة الحکيم الإلهي والفيلسوف الصدرائي ميرزا جهانغيرخان القشقائي]، طهران 1370ش [1991م].
أغا بزرک الطهراني، محمدمحسن، الذريعة الي تصانيف الشيعة، طبعة علي نقي منزوي و احمد منزوي، بيروت 1403ه/1983م.
أغا بزرک الطهراني، طبقات اعلام الشيعة، [طبعة علي نقي المنزوي]، [طبعة أُفست]بيروت 1430هـ/2009م.
امين، سيد حسن، مستدرکات أعيان الشيعة، بيروت 1408–1416هـ/1987–1996م.
بامداد، مهدي، شرح حال رجال ايران در قرن ۱۲ و ۱۳ و ۱۴ هجري[سيرة رجال إيران في القرون الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر الهجرية]، طهران 1357ش [1978م].
برقعي، محمدباقر، سخنوارن نامي معاصر[الخطباء المشاهير المعاصرون]، قم 1373ش [1994م].
جناب، مير سيد علي، رجال و مشاهير اصفهان[رجال ومشاهير أصفهان]، بتحقيق وتصحيح رضوان پورعصار، اصفهان 1385ش [2006م].
جواهر کلام، عبدالحسين، تربت پاکان قم[تربة الأطهار في قم]، قم 1382- 1383ش [2003- 2004م].
ديوان بيکي الشيرازي، سيد أحمد، حديقة الشعراء، تحقيق وتکميل وتحشية عبدالحسين نوائي، طهران 1364- 1366ش[1985- 1987م].
الشريف الرازي، محمد، گنجينه دانشمندان[خزينة العلماء]، طهران 1352–1370ش[1973–1991م].
طرب الإصفهاني، ابوالقاسم بن رضاقلي، ديوان طرب[ديوان الطرب]، مع مقدمة وحواشي جلال الدين همائي، طهران 1342–1343ش [1963–1964م].
الفسائي، حسن بن حسن، فارسنامه ناصري[فارسنامه الناصري]، طبعة منصور رستغار فسائي، طهران 1382ش [2003م].
معلّم الحبيب آبادي، محمد علي، مکارم الآثار، مج4، اصفهان 1352ش[1973م].
مهدوي، مصلحالدين، اعلام اصفهان[أعلام أصفهان]، تصحيح، تحقيق و اضافات غلامرضا نصراللّهي، مج2، اصفهان 1387ش[2008م].
همائي، جلالالدين، تاريخ اصفهان: رجال و دانشمندان[تاريخ أصفهان: رجال وعلماء]، بتحقيق ماهدخت بانو همائي، طهران 1396ش [2017م].
همائي، جلال الدين، شعوبيه[الشعوبية]، مقدمة و طبعة منوجهر قدسي، اصفهان 1363ش[1984م].
همائي، جلالالدين، مقدمه بر ديوان طرب[مقدمة على ديوان الطرب]، طهران 1342ش [1963م].
واعظ جوادي، إسماعيل، «جهانگيرخان قشقائي»[جهانغير خان القشقائي]، جاويدان خرد[الحکمة الخالدة]، السَّنَة الأُولى، العدد 2، پاييز 1354ش[خريف 1975م].
- انظر: واعظ جوادي، ص54–55؛ للنقد على سلسلَةُ نَسبِهِ انظر: احتشامي، ص59.[↩]
- آغا بزرک الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، مج13، ص 344؛ جناب، ص 189.[↩]
- همائي، 1363ش[1984م]، مقدمة قدسي، ص 113–114؛ انظر أيضاً: بامداد، مج1، ص 284.[↩]
- همائي، 1396ش [2017م]، مج2، ص674.[↩]
- ديوان بيکي الشيرازي، مج1، ص 387.[↩]
- انظر إلى الأقوال المختلفة في احتشامي، ص39.[↩]
- آغا بزرک الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، مج13، ص 344.[↩]
- جناب، ص189 ، 205.[↩]
- آغا بزرک الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، مج13، ص 344.[↩]
- جناب، ص666.[↩]
- جناب، ص189.[↩]
- همائي، 1396ش [2017م]، مج2، ص675.[↩]
- همائي، مقدمة على ديوان الطَرَب، ص 70.[↩]
- جناب، ص190.[↩]
- آغا بزرک الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، مج13، ص605.[↩]
- آغا بزرک الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، مج13، ص721.[↩]
- امين، مج7، ص213.[↩]
- جناب، ص 601؛ برقعي، الخطباء المشاهير المعاصرون، مج6، ص 3842.[↩]
- واعظ جوادي، ص 59، 63.[↩]
- جواهر کلام، مج2، ص1060.[↩]
- جواهر کلام، مج2، ص1133.[↩]
- جواهر کلام، مج3، ص1470.[↩]
- جواهر کلام، مج3، ص1531.[↩]
- ابن الرضا، مج2، ص402.[↩]
- ابن الرضا، مج2، ص460.[↩]
- ابن الرضا، مج3، ص17.[↩]
- الشريف الرازي، مج1، ص258[↩]
- جناب، ص190.[↩]
- احتشامي، ص34.[↩]
- آغا بزرک الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، مج13، ص 344؛ قارن مع: مهدوي، ص 173، الذي سجّل سنة وفاته عام 1332؛ وقارن أيضاً مع: همائي، مقدمة على ديوان الطرب، ص 70، الذي اعتبر عمره ثمانين سنة عند وفاته.[↩]
- فسائي، ص1581؛ احتشامي، ص32.[↩]
- ديوان بيکي الشيرازي، مج1، ص 387.[↩]
- احتشامي، ص15، 20.[↩]
- واعظ جوادي، ص64؛ احتشامي، ص37، الذي أدرج قائمة بخمسة عشر کتاباً وصلت إلى دهکردي.[↩]
- بامداد، مج1، ص284؛ اغا بزرک الطهراني، الذريعة إلي تصانيف الشيعة، مج14، ص12.[↩]
- معلم الحبيب آبادي، مج4، ص1232، ذيل أحداث 1245هـ [1829م]، الهامش2؛ أيضاً واعظ جوادي، ص65؛ احتشامي، ص31.[↩]